جلال الدين الرومي
406
المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي )
التفكر عندها مقيدا بهذا القيد ، ولهذا فقد حلت - بالنسبة لها - مشكلة المعرفة . ( 178 - 179 ) ان أرواح العارفين - بتحررها من الزمن - قد استطاعت أن ترى كل ممكن الوجود من قبل أن يوجد . فمعرفتها جوهرية كلية ، وليست مرتبطة بالجزئيات التي تتكشف خلال الزمن . ( 180 ) هذا البيت شبيه بقول ابن الفارض : شربنا على ذكر الحبيب مدامة * سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم ( 181 - 182 ) هذان البيتان مرتبطان بفكرة الكشف والالهام عند الصوفية ، تلك التي تتيح للعارفين منهم الماما بكليات الحقائق ، فلا يصرفهم جانب منها عن الجانب الآخر ، ولا يحول مظهر للحقيقة أمام أعينهم دون مشاهدة المظاهر الأخرى الكامنة في طي الامكان . وتنطبق هذه القدرة المبصرة على عالمي الغيب والشهادة . يقول ابن عربى : « ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن ، فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتنا » . ( فصوص الحكم ، ج 1 ، ص 54 ) . ( 183 ) يرتبط معنى البيت بفكرة الانسان الكامل ، وأنه محور الوجود . يقول ابن عربى : « فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الانسان الكامل ، ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اخترنه الحق فيها ، وخرج ما كان فيها ، والتحق بعضه ببعض ، وانتقل الأمر إلى الآخرة ، فكان ختما على خزانة الآخرة ، ختما أبديا . فظهر جميع ما في الصورة الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الانسانية ، فحازت رتبة الجمع والإحاطة بهذا الوجود » . ( فصوص الحكم ، ج 1 ، ص 50 ) . وقد عبر جلال الدين عن هذا المعنى بأسلوب شعري . فبدلا من أن يتبع الطريقة الاصطلاحية في التعبير فيذكر أن كل مظاهر الوجود خلقت من أجل الانسان الكامل ، قال إن السماوات نشوى بشراب العارفين ،